لماذا لم ننتصر ؟

   والانتصار الذى نتحدث عنه ، ونسعى إليه هو إخراج اليهود من فلسطين وتخليص بيت المقدس من قبضتهم ، وإقامة دولة الإسلام التي تحكم بشريعة محمد r في الأرض المباركة .

والانتصار بهذا المفهوم لم يتحقق بعد ، جرياناً مع سنة الله في الأمم، حيث إن عوامل النصر قد تخلفت فتخلفت آثارها ] أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم [ ] وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير [ .

إنه من السهل جداً أن نعيد عوامل الهزيمة إلى عدونا ، ولكن ليس هذا هو الطريق الذي يوصل إلى تحقيق أهدافنا ، وإنما هو تسلية للذات وتبرير للهزيمة .

لا يستطيع أحدٌ أن ينكر دور أعدائنا فيما حل بنا ، ولكن هل ينتظر من الأعداء والخصوم إلاّ ذاك ، هل نتوقع من خصمنا أن يسلّم لنا فلسطين على طبق من ذهب ، أو يمكننا من رقابه نتصرف بها كيف شئنا ؟

إننا من أجل أن نحقق النصر الذي ننتظر لابد أن نكون صرحاء مع أنفسنا  صادقين مع بعضنا ، نشخّص الداء دون مجاملة أو مواربة أو تبعيض ، فعندما وقعت بعض الهزائم – وهي محدودة – في عهد النبي r نزل الوحي يحدد مكامن الهزيمة الداخلية التي أحدثت الهزيمة الخارجية ]ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين[ وفي أحد ] إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم [ .

أرأيتم هذا البيان وهذا التحديد لعوامل الهزيمة ليس فيه إشارة واحدة إلى قوة الأعداء ومخططاتهم وتربصهم بالمؤمنين لأن هذا من الأمر المسلم به الذى جرى تقريره في مواضع أخرى ]ودّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة[ ]لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة وأولئك هم المعتدون[ ]عضوا عليكم الأنامل من الغيظ[.

وخلاصة الأمر ، أننا أضعنا فلسطين لإضاعتنا لأمر الله ، فما وقع بلاء إلا بذنب  ولا رفع إلا بتوبة ]وما أصـابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير[  ]أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير[ .

وقال r : ( إذا تبايعتم بالعينة ، ورضيتم بالزرع ، وأخذتم أذناب البقر وتركتم الجهاد ، سلّط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) الحديث.

أمّا لماذا تأخر النصر فأسبابه كثيرة أهمها ما يلي : -

1.    أننا لم نتلاف أسباب ضياع فلسطين ، وبقينا على بعدنا عن الله وتفريطنا في أوامره ونواهيه ، سواء في داخل أنفسنا وبيوتنا وأسرنا ، أو في عموم حياتنا ومجتمعنا ، ومشركو الأمس أحسن حالاً من كفار زماننا ، فأولئك كانوا ]إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين[ أمّا هؤلاء فزاد بلاؤهم وطغيانهم وحربهم لله ورسوله ، وتعقبهم للمجاهدين في سبيله ، وركنوا إلى الذين ظلموا.

2.    تفرق المسلمين ، وبالأخص الجماعات الجهادية ، وهذا الخلاف والتفرق أذهب ريحـها وأوهن من عزيمتها ]ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم[ .

3.    عدم وجود خطة استراتيجية شاملة لمواجهة اليهود ، وإنما هي ردود أفعال، أو استجابة لظروف معينة ، أو استثمار لفرص محدودة ، تنتهى بانتهاء أسبابها ، ودواعيها .

4.    ضعف المنهج وعدم خلوصه من الشوائب لدى كثير من الدعاة والجماعات الإسلامية والجهادية منها بالأخص ، وتفاوتها بالإلتزام بمنهج أهل السنّة والجماعة ، ولذلك تورط بعضها بتحالفات واتفاقات مشبوهة ، مع بعض المنظمات العلمانية وغيرها كالروافض والنصيريين .

5.    عدم إدراكنا لطبيعة المعركة مع اليهود ، وأنها معركة عقيدة ودين والانخداع ببعض الاستراتيجيات الغربية ، والمساهمة في تنفيذها كالسلام والتطبيع والتعايش السلمي ، مما أضاع علينا زمناً طويلاً .

6.    انشغال الشعوب المسلمة بقضايا أخرى صرفتها عن القضية الأساس  واشغلتها بنفسها عن عدوها ، مما زاد في ضعفها وتفرقها وهوانها وتناحرها فيما بينها .

7.    عدم الأخذ بأسباب القوة الحقيقية ، والتخبط في هذا الأمر ، مما مكن العدو من أن يحقق أهدافه بيسر وسهولة .

8.    الهزيمة النفسية ، والاستجابة لما يبثه الإعلام الغربي والعربي من أن دولة إسرائيل دولة لا تقهر ، ساهم في ذلك الخيانات العربية في دخولها معارك مع إسرائيل ثم الإنسحاب أمامها دون حرب حقيقية ، وإلا لو صدقت العزائم لعرفنا وأدركنا خرافة الدولة التي لا تقهر ، وما تحطيم خط بارليف عنا ببعيد ، مع ما نسج حوله من خيالات وأوهام ، وإذا هو يتهاوى في ساعات معدودة ، مما يثبت أن مفاتيح النصر بأيدينا لو أردنا ذلك وأخذنا بأسبابه ] وليـنصرنّ الله من ينصره إن الله لقوى عزيز[.

في الإتجـــاه الصحيــح [انتصارات على الطريق] :

ومع كل ما ذكر من مآس وجراحات وآلالام ، ومع ما نعيشه ويعيشه إخواننا في فلسطين – اليوم – من مصائب تدع الحليم حيرانا ، فإن هناك بشائراً أصبحت تلوح في الأفق ، تبشر بأن الأمة بدأت تسير في الإتجاه الصحيح وتحققت انتصارات لا يستهان بها هي من أهم الخطوات نحو الانتصار الحقيقي بل لا يمكن أن يتحقق ذلك الانتصار بدونها ، وقد لحظت أن الكثير ممن يتطرق لقضية فلسطين لم ينتبه أو ينبه لها مع أهميتها وآثارها على المدى القريب والبعيد وهذه الحقائق التي سأذكرها ، مما يساهم في إبعاد اليأس والقنوط ، ويشيع الأمل والتفاؤل في النفوس ، حيث إن النفوس اليائسة والمتشائمة لا يمكن أن تنتصر على غيرها ، فإذا كانت عاجزة عن الانتصار على ذاتها فهي عن الانتصار على عدوّها أعجز. . وأهم هذه المكاسب ما يلي : -

أولاً : كانت المنظمات الفلسطينية قبل ثلاثين سنة تملأ الساحة ضجيجاً وصراخاً بأنها ستحرر فلسطين ، وهذه المنظمات خليط عجيب من المنظمات المنحرفة عن الصراط المستقيم فمنها القومية والبعثية والشيوعية والوطنية ، وقليل منها الإسلامية ، وكان كثير من الناس يحسن الظن بهذه المنظمات ويرى أنها قد تساهم في تحرير فلسطين ، ولذلك وجدت الدعم والتأييد البشري والمالي والسياسي من قبل بعض المسلمين ، وظلوا ينتظرون تحرير بيت المقدس على أيدى تلك المنظمات ، وقد وقع هؤلاء الذين أحسنوا الظن بها في الخطأ .

إن هذه المنظمات منظمات عميلة للشرق والغرب وليس لديها أي برنامج جاد للحرب مع إسرائيل ، بل ليس لديها أي برنامج صادق لتحرير فلسطين ، وإنما هي منظمات ذات مصالح خاصة ، ومن ثم فإنه لا يمكن لمثل هذه المنظمات أن تحرر فلسطين ، ولا ينتظر منها ذلك ، ومع ذلك فكان هناك من يحسن الظن بها  وينتظر أن يكون الفرج على يديها ، فضاع علينا زمن طويل ، وأهدرت أنفس وأموال ، وجعلت الثقة في غير أهلها .

والانتصار الذي تحقق هو سقوط تلك المنظمات ، وسقوط برامجها الكاذبة ومن ثم سقوط الثقة بها وانكشافها على حقيقتها ، ولم يبق إلا المنظمات الجهادية التي تعلن قديماً وحديثاً أن الجهاد في سبيل الله هو الطريق الصحيح لتحرير فلسطين وما بقي من منظمات غير إسلامية فهي في طريقها إلى الزوال وسبب بقائها يعود لأسباب سياسية والناس يفقدون ثقتهم بها يوماً بعد يوم ، وكل يوم تقدم دليلاً على فشلها وضلوعها في الخيانة .

ويتبع هذا الانتصار – حيث هو قريب منه – سقوط دعوى الحكومات العربية – وبخاصة الثورية منها – التي كانت تزعم أنها ستحرر فلسطين ، بل وترمي إسرائيل في البحر ، والمؤسف أن الناس قد صدقوا ذلك حينها ، وما علموا أنها شعارات كاذبة ، ومزايدات مكشوفة ثم تكشفت الأيام عن مؤامرات هؤلاء ومحادثاتهم السرية مع اليهود ، وولاءهم للشرق والغرب ، وأن مؤتمراتهم ليست إلا لإسكات الشعوب ، وامتصاص غضبها ، وهي بهذا تتواطأ مع العدو في تحقيق أهدافه ، وثبت أن أكثرهم صراخاً ، وأعلاهم صوتاً أشدهم عمالة وأعمقهم ولاء ، وإلاّ فأين نتائج وثمار تلك المؤتمرات على مدى خمسين سنة .

إن الوصول إلى هذه الحقيقة فيما يتعلق بتلك المنظمات وهذه الحكومات يعد انتصاراً باهراً ، مما يجعل الأمة تسير في الاتجاه الصحيح ، وتبحث عن طوق النجاة عند غير هؤلاء ، وهذه مرحلة مهمة من مراحل الطريق الطويل المؤدي إلى النصر بإذن الله  .

ثانياً : بعد سنوات طويلة من المعارك الوهمية والهزائم المتوالية أمام إسرائيل وبعد الصراخ وبيانات الشجب والاستنكار التي تصدرها القمم العربية ترسخت ، بل رسخت لدى الشعوب قناعة بأن إسرائيل دول لا تقهر ، تولى كبرها الإعلام العربي الذي أوصل الأمة إلى هذه الهزيمة النفسية ، ومن هنا كثر الحديث بأنه يستحيل إخراج إسرائيل من فلسطين ، وأن استمرارنا بهذا الطريق يعني مزيداً من الخسائر والهزائم ، ولذلك بدأت مرحلة خطيرة ، حيث طرحت استراتيجيات كبرى تطالب بالسلام والتعايش مع العدو ، وتطبيع العلاقات مع الصهاينة ، وما كان أحد يستطيع أو يجرؤ على الحديث عنها قبل 30 سنة تقريباً ، ولو فعل لاتهم بالخيانة وبيع القضية ، وإن ننس فلا ننسى مؤتمر الخرطوم المسمى بمؤتمر اللاءات الثلاث  "لا صلح ، لا اعتراف ، لا مفاوضات" .

وبعد حرب رمضان بدأت مرحلة السلام (سلام الأقوياء) - زعموا – وكان السادات عراب هذه المرحلة ، والعجيب كيف كان موقف العرب من رحلة السادات ثم كيف أصبح ، فما هي إلا سنوات وإذا العرب يسيرون بالطريق نفسه الذي سار به السادات ، وأن موقفهم بعد رحلته المشؤمة لم يكن إلا مشهداً ضمن المسرحية الطويلة ، من أجل ترويض الشعوب وامتصاص غضبها ثم تهيئتها للمرحلة المقبلة ، وهكذا كان ، فبدأت تلك المرحلة العصيبة من تاريخ الأمة ، وتسابق العرب وفي مقدمتهم قادة فلسطين من العلمانيين وأشباههم لبيع فلسطين وإنهاء القضية إلى الأبد –زعموا – وإذا المؤتمرات تعقد مع زعماء اليهود ، والمفاوضات على قدم وساق ، ثم تلاها توقيع المعاهدات ، وفتح السفارات في بعض الدول العربية ، وبدأت الزيارات الثنائية ، والعقود التجارية ، وأصبحت مصطلحات السلام ، والتطبيع ، والتعايش مع اليهود مصطلحات تتكرر على مسامعنا ، ويشدو بها الإعلام صباح مساء ، وتعقد لها المؤتمرات – ولا تزال – وكانت هناك أصوات أخرى تبين أن هذا ليس هو الطريق لتحرير فلسطين ، وإنهاء القضية ، ولم يسمع لتلك الأصوات في حينها وما هي إلا سنوات محدودة ، فإذا أركان السلام تتهاوى ، والعهود تنقض – من قبل اليهود أنفسهم - ، ولا عجب في ذلك فالذين نقضوا عهودهم مع ربهم وأنبيائهم ، أينتظر منهم أن يفوا بعهودهم مع أعدائهم ؟ ]أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم[ ولكن العرب لا يعقلون ولا يتعلمون ، وما ذاك إلا لبعدهم عن كتاب ربهم وسنة نبيهم ، وإلا فالقرآن قد كشف عن هذه الحقيقة وركز عليها في مواضع عدة .

وفي السنّة قصة أسلاف هؤلاء من بني قريظة والنضير وبني قينقاع ومعاهدتهم لرسول الله r ثم نقضهم لتلك العهود والمواثيق ، وخياناتهم المتكررة في التاريخ ماضياً وحاضراً من أقوى الدلائل على طبيعة هؤلاء وسجيتهم ولكن قومي لا يفقهون .

والانتصار الذي بدأ يتحقق ، هو الفشل المبكر لتلك الاستراتيجيات ، حيث لم يعد لها تلك القوة والزخم الذي طرحت به ، وتراجع منظّروها إلى الخلف بعد أن أوقعتهم إسرائيل في حرج شديد أمام شعوبهم ، ومع أن العرب لم يعلنوا هزيمتهم بعد ، ولا يزالون يلهثون خلف سراب السلام ، فإن هذه المرحلة وتلك الاستراتيجيات قد أعلنت مبكراً عن فشلها ، والأمر يسير في هذا الاتجاه ، ولو كابر المكابرون ، وأصر المعاندون ، فإن ذلك لن يغير من الحقيقة شيئاً ، وقد تأسف أمين جامعة الدول العربية لفشل مرحلة السلام ، وطالب بعض النواب في الأردن بوضع خطة للانسحاب من معاهدة السلام التي سبق أن وقعها الأردن مع إسـرائيل.

إن الوصول إلى هذه الحقيقة على مستوى الأمة أمر مهم ، وانتصار حقيقي  حيث يصعب الوصول إلى الانتصار الأكبر دون تحقيق هذه النتيجة ، وذلك أن إفلاس جميع النظريات والاستراتيجيات التي لا تسير في الاتجاه الصحيح يختصر الطريق ويوحّد الجهود ، ويقربنا من الوصول إلى الغاية المنشودة ] والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون[.

ثالثاً :

من الإنجازات المهمة التي تحققت في معركتنا الطويلة مع اليهود تهاوي دعوى "إسرائيل التي لا تقهر" على أيدي أطفال الحجارة ، وتحقيقهم لما عجز عنه الجنرالات وأصحاب الأوسمة والنياشين ، بل هدم ما بناه أولئك الزعماء والقادة الذين على أكتافهم قامت نظرية "الدولة التي لا تقهر" إن سقوط تلك الدعوى في غاية الأهمية ، وذلك لأن قيامها والترويج لها أدخل الأمة في هزيمة نفسية حرجة ، استغلها المتآمرون مع اليهود لتقديم تنازلات ضخمة ، بدعوى المحافظة على ما يمكن الحفاظ عليه ، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه لأننا أمام دولة لا تقهر فمن العبث استمرار الصراع معها ، فجاء هؤلاء الأطفال يحملون بأيديهم الحجارة وعلى ألسنتهم كلمة (الله أكبر) تدوي في الآفاق وتهتز لها قلوب الظالمين خوفاً ورعباً ] وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [.

وأعجب من ذلك وأقوى أثراً هذا الصمود العجيب من قبل أولئك الأطفال  بالرغم من البطش والتنكيل والعذاب الذى يصبّه اليهود صباً على هؤلاء الفتية وأسرهم وبيوتهم ولم يكن الأقربون فضلاً عن الأعداء يتصورون استمرار تلك المواجهة أكثر من أيام أو بضعة أسابيع ، وإذا هي وقد مرّ عليها بضعة أشهر تزداد اشتعالاً وقوة ، علماً أن المواجهة الأولى لم يمض عليها إلا عدة سنوات مع ما حدث فيها من مآس وآلام وجراحات توقع المراقبون ألاّ تعود إلا بعد سنوات طويلة لقسوة بطش العدو وخذلان الصديق ، ولكن على قدر أهل العزم تأتي العزائم .

إن في تلك المعركة التي خاضـها ويخوضها أولئك الأبطال من الدروس والعبر ما نحن بأمس الحاجة إليه من أجل بناء رؤية شرعية متفائلة لمواجهتنا الطويلة مع اليهود ] لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب ] [فاعتـبروا يا أولي الأبصار [.

رابعاً :

وأهم تلك الانتصارات ، وأبعدها أثراً هو الوصول إلى أن الطريق الوحيد لتحرير بيت المقدس وتخليص فلسطين من اليهود هو الجهاد في سبيل الله ، نعم الجهاد لا غير ، وهذه القناعة لم تكن تحدث عند كثير من المسلمين إلا بعد فشل جميع النظريات والاستراتيجيات الأخرى ، ولأن الأمر لم يصل إلى نهايته في فشل مرحلة السلام ، حيث لا يزال هناك فئات من الناس ترى في السلام مخرجاً وعلاجاً ، لذلك فهناك من لا يرى الجهاد طريقاً وسبيلاً . ولكنني أتحدث عن المبشرات والإنجازات ، حيث إن البدايات توصل إلى النهايات ، وفرق كبير بين الذين كانوا لا يرون الجهاد سبيلاً قبل عشر سنوات ، وبين من يطالب به الآن. لقد كثر من يطالب بالجهاد ، وأنه هو السبيل لتحرير فلسطين حتى رأينا ذلك من بعض الكتاب الذين لم يعرف عنهم الحديث في مثل هذه الأمور ، بل بعض الكتاب المنحرفين ، والذين كانوا قبل فترة يسيرة ينظّرون لمرحلة السلام والتعايش مع اليهود فإذا هم اليوم يطالبون بقتال اليهود ، حيث لا يصلح معهم إلا ذاك .

إنني أدرك أن الوصول إلى هذه القناعة ليس بالأمر السهل ، حيث يقف ضدها الشرق والغرب ، وتبعاً لذلك يوحون إلى أوليائهم بمحاربة هذه النظرية والوقوف ضدها بكل سبيل ، وذلك أنهم يدركون خطورتها وأثرها على مسار القضية ، ومن هنا فإنني أرى أن أي تجاوب مع تلك القناعة – بأن الجهاد هو الحل – على مستوى الأمة يعدّ انتصاراً ولو كان يسيراً ، كيف وهو أكبر من ذلك ، ويزداد يوماً بعد يوم ، ولو وجد المسلمون طريقاً لتحقيق تلك القناعة لرأيت العجب العجاب.