من أجل تحرير فلسطين ، وعودة بيت المقدس

 

       من أجل تحرير فلسطين ، وعودة بيت المقدس لابد من توافر عوامل عدة ، أخذاً بالأسباب الشرعية ، وانسجاماً مع السنن الكونية ، فما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة ، وما ضاع في عشرات السنين لا يسترد بأيام أو شهور ، ولذلك لابد من تضافر الجهود ، والأخذ بأسباب النصر ، والتوكل على الله (إعقلها وتوكل) ومساهمة في بيان القوة التي أمرنا الله أن نأخذ بها ] وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة [. فسأذكر عدداً من المنطلقات التي أرى أنها تساهم مساهمة مباشرة في تحقيق الانتصار ، ولأن بعضها  قد سبق بيانه والتفصيل فيه ، فسأشير إليه إشارة عابرة من أجل ترابط الموضوع وانتظام حلقاته ، وإلا فإن كل ما سبق من فصول ومباحث له ارتباط بهذا السياق ، ومعلم من معالم الطريق ، وأهم تلك المعالم :

1.   العودة الصادقة إلى الله والرجوع إليه ، فما نزل بلاء إلا بذنب ، ولا رفع إلا بتوبة ]وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كـثير[ ] أويوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير[ ]وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا[ فما ضاعت فلسطين إلا لبعد الأمة عن الله ، وتنكبها للطريق المستقيم ، فحلّت عليها سنة الله في الأمم ، ولذلك فأول خطوة في الطريق الطويل لإعادة الحق إلى نصابه أن نعود إلى الله ، وأن نستغفره من ذنوبنا وخطايانا ، وأن نكثر التضرع والإنابة إليه ، وأن نحكم شريعة الله في أنفسنا وبيوتنا ومجتمعنا وفي شأننا كله ]ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون[ ]فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما[.

2.   تربية الأمة على الإسلام ، وتنشئتها على المنهج الصحيح ، وتخليصها من البدع والانحراف ، وترسيخ المفاهيم الصحيحة في نفوسها ، كمفهوم الحب والبغض في الله ، ومبدأ الولاء والبراء ، وحقيقة التوحيد ، وماهي الفرقة الناجية والطائفة المنصورة ، وبيان منهج أهل السنة والجماعة وتنقية الأمة من المناهج المنحرفة كالقومية ، والوطنية ، وغيرها من المناهج الأرضية ، والتركيز على العلم الشرعي ، فتربية العقل أهم من تربية الجسد ، ومن الخطأ تقديم المهم على الأهم .

3.   الإيمان المطلق بأن الإسلام هو المنطلق الوحيد لتعاملنا مع قضية فلسطين ومنه تستمد جميع الأحكام المتعلقة بتلك القضية ، وفي ضوئه تعالج جميع المستجدات ، وأن الرجوع إلى أي مصدر أو جهة أو هيئة سواه يعني مزيدا من الخسائر والتأخر والبعد عن تحقيق النصر ] ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين [ .

4.   توعية الأمة بأن الجهاد هو الوسيلة الوحيدة لتحرير فلسطين وإخراج اليهود منها ، وأن أي وسيلة سواه مآلها إلى الضياع وبعثرة الجهود وتمكين الأعداء ، وإضعاف الأمة ، والفشل الذريع ] قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون [ وأن يكون الجهاد لإعلاء كلمة الله ، لا من أجل عصبية أو مال أو أرض ، بل ليكون الدين كله لله ] وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله [ .

5.   وحدة الكلمة واجتماع الصفوف على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم- ] واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا [ ونبذ التفرق والاختلاف والتنازع ]ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم[ . فالخلاف شرّ كما قال ابن مسعود - رضي الله عنه - مع سعة الأفق وعدم حصر المواجهة وتحمل أعباء المعركة بفئة من المسلمين دون غيرهم  فكل مسلم له حق المساهمة والمدافعة عن حقوق المسلمين ، بعيداً عن أي تعصب أو حزبية ، والقاعدة هنا قوله صلى الله عليه وسلم : ( ارجع فلن أستعين بمشرك ) فمن كان داخل دائرة الاسلام فله حق الولاء والنصرة ، ومن عداه فلا .

وهنا مسألة مهمة ولها ارتباط وثيق في موضوعنا ، وهي : هل القتال خاص بالصالحين والأخيار ، ولا يجوز أن يشارك فيه العصاة والفساق من المسلمين ؟ وسبب هذا السؤال ما نسمعه بين فينة وأخرى من القدح في المجاهدين في كثير من بلاد المسلمين ، ووصمهم بالفسق والفجور ونحو ذلك ، وتبرير عدم مساعدتهم بمثل هذه التهم .

والجواب على ذلك من شقين :

الأول : خطورة تعميم الأحكام ، مع ما يترتب على ذلك من مفاسد لا تحصى ، والواجب على المسلم التـزام العدل والقسط ]يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى[ وقال سبحانه : ]وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا[ وقال سبحانه : ]إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكّرون[ وعندما ذكر الله بني إسـرائيل وما وقعوا فيه من انحراف قال : ]منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون[ فلم يعمم الحكم على الجميع ، وجاء مثل ذلك في آيات كثيرة في القرآن ، فتعميم الحكم بأن أهل ذاك البلد فسّاق أو مبتدعة أو نحو ذلك من البغي والظلم الذي نهى الله عنه إلا إذا كانوا كلهم كذلك بعد التثبت والتحقق ، وهذا بعيد ، حيث لا يخلو بلد من الصالحين والأخيار ، ولو كانوا قليلاً ]منهم أمة مقتصدة وكثيرٌ منهم ساء ما يعملون[ .

الثاني : أن وجود الفسق والفجور ليس مبرراً لترك الجهاد ، حتى لو كان القائد فاسقاً أو فاجراً ، فضلاً عن أن يكون فرداً من أفراد المسلمين ولذلك بوّب العلماء في كتبهم لهذه المسألة "ويغزى مع كل برّ وفاجر" قال الإمام أحمد ، وسئل عن الغزو مع بعض الظلمة وأئمة الجور ، فقال عن هؤلاء الذين يعتذرون عن الجهاد بسبب ذلك : سبحان الله ، هؤلاء قوم سوء  هؤلاء القعدة مثبطون جُهّال ، فيقال : أرأيتم لو أن الناس كلهم قعدوا كما قعدتم ، من كان يغزو ؟ أليس كان قد ذهب الإسلام ، ما كانت تصنع الروم ؟ فلله درُّ هذا الإمام ما أعلمه وأبعد نظره !! .

وقال ابن قدامة : ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطع الجهاد وظهور الكفار على المسلمين واستئصالهم ، وظهور كلمة الكفر ، وفيه فساد عظيم ، قال سبحانه: ]ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض[ وما زال المسلمون منذ عهد الصحابة يقاتل معهم البر والفاجر  وقضية أبي محجن في القادسية مشهورة معروفة حتى قال ابن قدامة معقباً عليها : وهذا اتفاق لم يظهر خلافه ، بل كانوا يقاتلون مع البـر والفاجر قال علقمة : كنا في جيش في أرض الروم ، ومعنا حذيفة بن اليمان ، وعلينا الوليد بن عقبة ، فشرب الخمر ، فأردنا أن نحدّه فقال حذيفة : أتحدون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعوا فيكم ؟! ولم ينقل عنهم أنهم عزلوه أو تركوا الجهاد معه ، وقد ثبت عنه r أنه قال : (إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ) متفق عليه .

أمّا صاحب البدعة ، فقد ذكر العلماء قاعدة جيدة في حكم القتال معه ملخصها :

1.   أن من قاتل من أجل بدعته لنشرها أو الدفاع عنها فلا يجوز القتال معه.

2.   أمّا من يقاتل الكفار لا من أجل بدعته ولكنه متلبس بالبدعة ، فيجوز القتال معه .

ومن الواجب أن نسعى لإصلاح إخواننا في كل مكان ، وألاّ نرضى بالواقع السيء ولا نقره ، فإن من الجهاد تربية الأمة على المنهج الصحيح ، وأن يتولّى عليها خيارها ، ولكن هذه مسألة وتلك مسألة أخرى ، فالسعي إلى الكمال مطلوب وهو من أعظم وسائل النصر ، ولكن الكمال عزيز ومراعاة قاعدة المصالح والمفاسد من أهم ما يجب أن نعنى به وبخاصة في هذا الباب فمن الحكمة أن نعرف خير الخيرين ، وشرّ الشرين ، ]ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذّكّر إلاّ أولوا الألباب[.

ومن المسائل التي أكتفي بالإشارة إليها هنا ، هي أن العلماء وهم يتحدثون عن الجهاد وشروطه وآدابه يفرقون بين جهاد الطلب وجهاد الدفع فيتوسعون في الثاني ، ويسقطون كثيراً من الشروط التي يجب توافرها في جهاد الطلب ، فلابد من مراعاة ذلك في قتالنا مع اليهود لأنه من جهاد الدفع لا من جهاد الطلب .

6.   وجود خطة محكمة ، واستراتيجية واضحة ، تراعى فيها الظروف والإمكانات ، وتدرس فيها العوائق ، ويراعى فيها التدرج ، بحيث تكون خطة عملية واقعية ، بعيدة عن الفوضى والاستعجال ، والإفراط أو التفريط ، مع تجنب الصدام والمعارك مع غير العدو الحقيقي ، وألاّ يستدرج المجاهدون إلى معارك جانبية تخدم العدو وتؤخر النصر.

7.   هزيمة الأمة ليست في الميدان العسكري فقط وإنما هي هزيمة شاملة في أغلب الميادين : الإعلامية ، والتقنية ، والعلمية ، والإدارية ، وغيرها وإسـرائيل لديها من التفوق في هذه الميادين ما يفوق الخيال ، وهناك جامعات تقنيّة في إسرائيل تُعدّ من أرقى الجامعات في العالم كجامعة "وايزمان" وانطلاقاً من قوله تعالى : ]وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة[ وتحقيقاً لهذه الاستراتيجية لابد من الأخذ بأسباب القوة الحقيقية المتنوعة  سواء أكانت بشرية أو اقتصادية ، أو تقنيّة ، أو إعلامية ، أو إدارية ، أو غيرها ، والقوة لا تتجزأ ، والأخذ بسبب منها دون الآخر خطأ فادح وهزيمة محققة ، ومخالفة لأمر الله سبحانه ]وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم[.

8.   إيجاد مدرسة لإعداد القادة ، وتربية الرواد الذين يقودون الأمة إلى سبيل النجاة ، فإن من أشد ما تحتاجه الأمة اليوم وجود القادة الصادقين والأئمة الربانيين ، الذين يأخذون بيدها إلى شاطئ السلامة ، ويخرجونها من الظلمات إلى النور ، وما خرج الصليبيون إلا على يد قادة أفذاذ من أمثال : نور الدين وشيركوه وصلاح الدين وغيرهم من القادة الأبطال الذين جـمعوا بين الصـبر واليقين ، حيث بهما تنال الإمـامة في الدين ]وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون[ فجعل الله الفتح على أيديهم ، كما جعل الفتح على أيدي أسلافهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان .

9.           نحن نؤمن بأن الانتصار على اليهود قضاء قدري كوني وشرعي ، حيث ثبت عن المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود ، فيقتلهم المسلمون ، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر ، فيقول الحجر أوالشجر : يا مسلم يا عبد الله ، هذا يهودي خلفي ، فتعال فاقتله) والانتصار النهائي والمعركة الفاصلة ستكون آخر الزمان حين يكون المسلمون تحت راية المسيح عليه السلام وأميرهم المهدي ويكون اليهود تحت راية المسيح الدجال .  ومقتضى الإيمان بهذا النصر أن نعمل بجد ويقين لا أن نتكل ونتخاذل  فترك القتال والاستعداد له بحجة أن تلك المعركة الفاصلة لم يحن وقتها خطأ لأمور : -

1.   أن النصوص المبشرة بانتصار المسلمين جاء بعضها مطلقاً لا تقييد فيه بكون المعركة بين جيش الإسلام بقيادة المسيح عليه السلام والمهدي وجيش اليهود بقيادة الدجال ، فحمل بعض هذه النصوص على بعض ليس متعيناً وليس من شرط حدوث الخارق (تكليم الحجر والشجر ) أن يكون في آخر الزمان فليس على الله بعزيز أن يكون في جولة قبل ذلك بل في هذه الجولة .

2.   أننا لا نعلم متى تقع المعركة الفاصلة ولا ما مقدماتها ولم نُتعبَّد بانتظارها وإنما تعبدنا الله بالجهاد والإعداد لليهود وغيرهم .

3.   أن عموم الأدلة يدل على أن المعركة مع الكفر مستمرة دائمة وليس هناك من دليل شرعي أو تاريخي يمنع وقوع معارك أخرى بيننا وبين اليهود قبل المعركة الفاصلة فإن الحرب سجال حتى يأتي الفتح الأعظم ، وهكذا كان بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين قريش حتى جاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجاً .

وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة ، قال: فينـزل عيسى ابن مريم ـ عليه السلام - فيقول أميرهم: تعال صَلِّ لنا ، فيقول: لا . إن بعضكم على بعض أمراء ، تكرمة الله هذه الأمة) .

10.   من المهم أن نركز على ما ورد في القرآن حول اليهود ، فلن نجد مَنْ وَصَفَ اليهود ، وعَرّف بنفسياتهم ثم حكم عليهم بما هم أهل له مثل القرآن ، وحيث إن منطلقنا في التعامل معهم هو كتاب الله ، فلابد من دراسة القرآن ، وما ورد فيه من آيات عن بني إسرائيل دراسة معمّقة حيث نبني على ذلك رسم خطط المستقبل وقواعد التعامل في الحرب والهدنة.

فمن صفاتهم: الذل والمسكنة ]ضربت عليهم الذلة والمسكنة[

وكذلك الغدر والخيانة ]أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريقٌ منهم[

ومن صفاتهم الجُبن والضعف ]لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله[    

      ]لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنةٍ أو من وراء جُدر[.

ومن صفاتهم عدم اتحاد كلمتهم وتفرقهم واختلاف قلوبهم بل وشدّة تناحرهم ]بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى[.

فمن كانت هذه بعض صفاته ، كيف يُنـزَّل فوق منـزلته ، أو يُوثق في عهده ، أو يخاف من قوته .

وما تخبطت الأمة في تعاملها مع اليهود إلا عندما لم تجعل القرآن الكريم نبراس حياتها ، ومنطلقها في صراعها ، فما نالت إلا الهوان والخسران لأنها جعلت الغرب والشرق وأمم الكفر ملاذها وحجّتها ومنطلقها في خططها واستراتيجياتها ، ومفزعها عند المحن "لمجلس الأمن لا إلى الله اشتكوا " .

ولنأخذ لذلك مثلاً يبين هذا البرهان ، فمنذ بدأ العرب في عقد معاهداتهم مع اليهود ، كلما عقدوا عقداً مع حكومة سقطت تلك الحكومة ، وجاءت أخرى فنقضت العهد وعقدت معاهدة أخرى ، فما تعقده حكومة الليكود تنقضه حكومة العمال ، وما تعقده حكومة العمال تنقضه حكومة الليكود ، وهكذا دواليك ، وهذا مصداق قوله تعالى : ] أوَ كلما عاهدوا عهداً نبذه فريقٌ منهم[. ولكن العرب لا يتعظون ولا يتعلمون ولا يعقلون .

11.          لابد من التفاؤل والبعد عن اليأس والتشاؤم ، حيث لا مكان لذلك في حياة المسلم ، ولا ينبغي أن تكون الظروف المحيطة ومرارة الواقع وبطش الأعداء وخذلان الأصدقاء مبرراً لليأس والقنوط ، ولقد كان - صلى الله عليه وسلم - في أحلك الظروف وأشدّ الأيام معاناة أكثر الناس تفاؤلاً وحسن ظن بالله ، نجد ذلك عندما ذهب إلى الطائف وما لقيه هناك من أذى ، ثم يوم هجرته عندما لحقه سراقة ، وقبل ذلك عندما اشتكى له صحابته ما يجدونه من أذى قريش ، وكذلك يوم الخندق في كل تلك المواقف وغيرها كان متفائلاً موقناً بتحقق وعد الله ، وقرب مجيئه ، وهناك أمور تساهم في تفاؤلنا وحسن ظننا بالله ، من أهمها:

أ-    النصوص الواردة في الانتصار على اليهود ، وسبق الحديث عنها ، وبيان مدلولها .

ب- حديث القرآن عن اليهود ، وأن الله ضرب عليهم الذلة والمسكنة وباؤا بغضب من الله ] ضربت عليهم الذلة أينما ثُقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة [.

      ومن ضربت عليه الذلة أينما ثُقف كيف لا نفرح ونتفائل بالانتصار عليه.

ج - إن إسرائيل تعاني من مشكلات مستعصية ، وتزداد مع الأيام عمقاً وأثراً فهي دولة غير مندمجة غريبة قائمة على دعم الغير ، مع التناقض والطبقية في المجتمع اليهودي نفسه ، حيث التناحر على أشده ]تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى [ ومن كانت هذه حاله فإن الانتصار عليه قريب - بإذن الله - إذا أخذنا بالأسباب ونادى منادي الإيمان : حيّ على الجهاد .

د-  فشل جميع الحلول التي طرحت لإنهاء القضية ، وإفلاس جميع المنظمات الأرضية التي كانت تزايد على قضية فلسطين وتتاجر بها ، كل ذلك يزيدنا تفاؤلاً باجتماع الأمـة على كلمة واحدة ، والسـير على طريق واحد .

هـ- ما فعله ويفعله الأبطال في داخل فلسطين من المجاهدين وأطفال الحجارة وأسرهم يجعلنا نزداد تفاؤلاً ، وثقة بوعد الله ، وتحقق وقوعه ، وأن هذه الأمة - أمة الاسلام - لا تنضب أبداً ، ولا يتوقف معينها وخيرها.

12.          الصبر والمصابرة وعدم الاستعجال هو منهج الأنبياء والرسل والمصلحين على مدار التاريخ ، وقضية فلسطين من أصعب القضايا التي واجهتها الأمة منذ قرون طويلة ، وهي متشابكة الأطراف ، متعددة الجوانب كثيرة العقد ، تحتاج إلى صبر وأناة ، بعيداً عن الاستـعجال واستـباق النتائج ]يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون[ ]فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم[ ]والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون[ ولقد ورد الصبر في القرآن في أكثر من تسعين موضعاً ، مما يدل على أهميته وأثره في تحقيق المراد ، وما يجري في فلسطين ابتلاء وامتحان للأمة ليعلم الله صدقها وصبرها ، وتميزها ]ماكان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجرٌ عظيم[ ]ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم[ ]الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا[ .

وتسلية للمجاهدين الصابرين ، وبثاً لروح التفاؤل في نفوس المؤمنين  أسوق هذه الأحاديث تثبيتاً وبشرى للمسلمين ، وكبتاً للمنافقين والعلمانيين ، وأعداء هذا الدين : عن ثوبان – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله r : ( لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ) .

وعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه – سمعت رسول الله r يقول : (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك) .

وعن سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – قال قال رسول الله r : (لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) وعن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – قال : سمعت رسول الله r يقول : ( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة ، قال فينزل عيسى بن مريم – عليه السلام – فيقول أميرهم : تعال صل لنا فيقول: لا . إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة) .