|
|
|
|
مَنْهجُ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم في التَّعامُلِ مع القضَايا الإسْلاميَّة |
|
|
أمَّا إن سألت أخي المسلم عن المخرج من هذه الأخبار والاستخبارات؛ فهو الأخذ بناصية المنهج النبوي في سيرته صلى الله عليه وسلم يوم كان يتعامل مع مثل هذه القضايا النَّازلة . فلنا في سيرته صلى الله عليه وسلم أُسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر، ويريد أن يعيد للأمة الإسلامية عزَّها، ومجدها التَّليد . قال تعالى : " لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لِمَنْ كان يرجوا اللهَ واليومَ الآخرَ، وذكر الله كثيراً " الأحزاب21. فعند أوَّل قراءةٍ للسيرة النبوية يجدُ المسلمُ حقائقَ وحلولاً جليَّة واضحةً لا تحتاج منَّا إلاَّ الصِّدقَ مع الله تعالى في رغبتنا في تحرير فلسطين المحتلة لا غير !! . لاشكَّ أنَّ الوقائع والغزوات والسرايا في عهده صلى الله عليه وسلم كانت كثيرةً جداً؛ إلاَّ أنَّنا نرى من المناسب أن نذكر منها ما له صلةٌ كبيرةٌ بقضيتنا مع يهود، فكان ذكرنا لمواقفه صلى الله عليه وسلم مع يهود بني قينُقاع، وبني قريظة، وبني النظير، وخيبر أبلغَ مثالاً، وأحسن حالاً، والله الموفِّق والهادي إلى سواء السبيل . وقبل أن نشرع في ذكر سيرته صلى الله عليه وسلم مع تعامله في القضاء على اليهود آنذاك، أحببنا أن نذكر نُتفاً من سيرته صلى الله عليه وسلم حتى تُقرِّبَ لنا الطريق، وتوضِّحَ لنا السبيل في موقفنا مع مثل هذه القضايا العصرية العصيبة ! . فحسبنا أن نأخذَ من حلوله صلى الله عليه وسلم في مثل هذه المواقف شعاراً نجعله دائماً رايةً فوق رؤوسنا، وصيحةً على منابرنا؛ هي قوله صلى الله عليه وسلم : " مَنْ يُبايع عَلى المُوتِ " ومناسبة هذه الكلمة العصماء التي قد نسيها أو تناساها كثير من المسلمين أنه صلى الله عليه وسلم قال، حين بلغه أنَّ عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ قد قُتل : لا نبرح حتى نُناجز القوم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة ، فكان الناس يقولون : بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت([1]) . أمَّا مواقفه صلى الله عليه وسلم مع يهود؛ فكثيرةٌ حسبنا منها ما يلي : ـ غزوة بني قَينُقاع : ذكرت كتب السير سببين لهذه الغزوة : الأول : أن يهودَ بني قينُقاع أظهروا الغضبَ والحسدَ عندما انتصر المسلمون ببدرٍ، ويَظهر ذلك في موقفِهم من الرسول صلى الله عليه وسلم عندما جمعهم في سوقِهم بعد بدرٍ، وقال لهم : " يا معشر يهود أسلموا قبل أن يُصيبكم مثل ما أصاب قريش، فقالوا يا محمد لا يَغُرنَّك من نفسك أنك قتلت نفراً في قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلقَ مثلنا "، فانزل الله : " قل للذين كفروا ستُغلبون وتُحشرون إلى جهنم وبئس المهاد * قد كان لكم آيةٌ في فئتين التقتا * فئةٌ تقاتلُ في سبيلِ الله وأُخرى كافرةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهم رأيَ العين والله يؤيدُ بنصرهِ من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار "([2]) . والسبب الثاني : هو أنَّ أحدهم عَقَدَ طرفَ ثوبِ امرأةٍ مسلمةٍ في سوق بني قينقاع، فلما قامت انكشفت، فصاحت مستنجدةً، فقام أحدُ المسلمين فقتل اليهودي، وتواثب عليه اليهودُ فقتلوه، فاستصرخ أهلُ المسلمِ المسلمين على اليهودِ . فغضب المسلمون، ووقع القتالُ بينهم، وبين بني قينقاع([3]) . وجمعاً بين السببين يعودُ إلى ما أظهروه من روحٍ عدائيةٍ ضد المسلمين، انتهت إلى الإخلال بالأمن داخل المدينةِ، ومن ذلك قصة المرأة المسلمة معهم ([4]) . ومن خلال ما مضى نستنتج - لاسيما السبب الثاني - أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتفِ بنقل الأخبار، كما أنه لم يشتغل بتحليلها؛ بقدر ما كان حريصاً كلَّ الحرصِ على حلِّ الموقف تُجاه يهود لا غير، فما أنْ سمع النبي صلى الله عليه وسلم بما وقع بين المسلمين ويهود إلاَّ وقام مسرعاً إلى يهود، ونبذ إليهم على سواء، وحاصرهم خمس عشرة ليلةً وعندما اشتد عليهم الحصار نزلوا على حُكمِ الرسول صلى الله عليه وسلم على أنَّ لهم أموالهم، وأنَّ لهم النساء والذرية، فأمر بهم فكتِّفوا، ثُمَّ كلَّمهم فيه حليفُهم ابنُ سلولٍ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " هم لك ... "([5])، وأمر بهم أن يُجلوا عن المدينة، فلحقوا بأذرعات([6]) . فعند ذلك؛ يتأكَّدُ لدينا : أنَّ نقلَ الأخبارِ وتحليلها ما هي إلاَّ وسيلةٌ ومُسْتَنَدٌ، أمَّا طرحُ الحلِّ فهو غَايةٌ ومَقْصَدٌ ! . ـ غزوة بني النَّضير : ذكرت كتب السير أن لغزوة بني النضير ثلاثة أسباب، والذي يهمنا منها هو : أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم عندما ذهب إليهم في دِيَّةِ الكِلابِيَيْن، لمَّا كان بينه وبينهم من الحِلفِ، جلس إلى جدارٍ لهم في انتظارهم ليأتوا بما وعدوا به من المساهمة في الدِّية، ثم خلا بعضُهم ببعضٍ فقالوا : إنكم لن تجدوا الرجلَ على مثل حاله هذه فاتفقوا على أن يَعلُو عمرو بن جِحَاش ذلك الجدار، فيُلقي صخرةً على الرسول صلى الله عليه وسلم فيقتله، فأخبر الله رسولَه بما أرادوا فخرج راجعاً إلى المدينة، وعندما تأخر عن أصحابه الذين كانوا معه سألوا عنه، فعلموا رجوعه إلى المدينة، فأتوه فأخبرهم الخبر، ثم أمر بالتهيؤ لحربهم، والسير إليهم، ومحاصرتهم، فنزلوا على الصُّلحِ بعد حصارٍ دام ستَّ ليالٍ، على أنَّ لهم ما حملت الإبل([7]) . وفي هذا دليلٌ آخر على حرصه صلى الله عليه وسلم على أخذ الحلِّ مباشرةً دون الإغراق في نقل الأخبار وتحليلها . ـ غزوة بني قُريظة : واضحٌ من سِيَرِ الأحداثِ أنَّ سببَ الغزوة كان نَقضَ بني قريظة العهدَ الذي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، بتحريضٍ من حُييِّ بنِ أخطبَ النَّظري([8]) . ولأنَّ هذا النقض، وهذه الخيانة قد جاءت في وقت عصيبٍ، فقد أمر الله تعالى نبيه بقتالهم بعد عودته من الخندق، ووضعه السلاح([9])، وامتثالاً لأمْرِ الله؛ أمَرَ الرسولُ صلَّى الله عليه وسلم أصحابَه أن يَتوجَّهوا إلى بني قريظة، وتوكيداً لطلب السرعة أوصاهم قائلاً : " لا يُصلِينَّ أحدٌ العصرَ إلاَّ في بني قريظة " البخاري، وعند مسلم " الظهر "([10]). وعندما أدركهم الوقتُ في الطريق قال بعضهم : لا نُصلي حتى نأتي قريظةَ، وقال البعضُ الآخر : بل نُصلي؛ لم يَرِدْ منَّا ذلك، فذُكِرَ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يُعنِّفْ واحداً منهم([11])، وهذا اجتهاد منهم في مُرادِ الرسول صلى الله عليه وسلم([12]) . فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم في ثلاثةِ آلاف مقاتلٍ معهم ستةٌ وثلاثون فرساً([13]) ، وضرب الحصارَ على بني قريظة لمدةِ خمسٍ وعشرين ليلةٍ على الأرجح([14])، وضيَّق عليهم الخَناقَ حتى عَظُمَ عليهم البلاءُ، فرغبوا أخيراً في الاستسلامِ، وقَبُولِ حُكمِ الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم، واستشاروا في ذلك حليفَهم : أبا لُبابة بن عبد المنذر - رضي الله عنه - فأشار إلى أن ذلك يعني الذبح، وندم على هذه الإشارة فربط نفسه إلى إحدى سواري المسجد النبوي، حتى قبل الله توبته([15]) . وعندما نزلوا على حُكمِ الرسول صلى الله عليه وسلم أحبَّ أن يَكِلَ الحُكمَ عليهم إلى واحد من رؤساء الأوس؛ لأنهم كانوا حلفاءَ بني قريظة، فجعل الحُكمَ فيهم إلى سعدِ بنِ معاذ، فلمَّا دنا من المسلمين قال الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار : " قوموا إلى سيدِكم أو خيرِكم، ثم قال : إنَّ هؤلاء نزلوا على حُكمِك " . قال : تُقتل مُقاتلتُهم، وتُسبى ذراريهم، وتُقسَّم أموالهم . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " قضيت بحكمِ الله تعالى "([16]) . ومن خلال ما ذكرناه نستيقنُ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان رجلَ مواقفَ وأفعالٍ أكثر منه صاحب تحليلات وكلام عليه الصلاة والسلام ! . |