يهود الأمس ويهود اليوم

   بسبب قوة الصراع بين المسلمين واليهود وبخاصة على أرض فلسطين ، وما نراه صباح مساء من جرائم ترتكب في حق إخواننا في الداخل ، وما يدّعيه اليهود من الحق التاريخي في الأرض المباركة ، كل ذلك أفرز بعض الأخطاء التي وقع فيها كثير من المسلمين ، من الخلط بين يهود الأمس الذين آمنوا بموسى – عليه الصلاة والسلام – وبين يهود اليوم ، وهذا الخلط له سلبياته العقدية والعملية ومن هنا كان لابد من إيضاح بعض المسائل المهمة في هذا السياق ، أوجزها بما يلى :

 

1 ـ بنو إسرائيل الذين آمنوا بموسى - عليه الصلاة والسلام – غير يهود اليوم فأولئك كانوا مسلمين مؤمنين ، وهؤلاء كفار مشركون تبعاً لمن كفر بموسى وخرج عن شريعته ، وبنو إسرائيل هم نسل يعقوب – عليه الصلاة والسلام – الذي قال الله عنه وعنهم : ]ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون[ وانسجاماً مع هذه الحقيقة قال يوسف – عليه الصلاة والسلام - : ] واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء[ والذين آمنوا بموسى – عليه الصلاة والسلام – قال الله فيهم : ]ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضّلناهم على العالمين[ وقال فيهم : ]ولقد اخترناهم على علم على العالمين[ وقال فيهم : ] وجلعنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لماّ صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون[ وقال فيهم محمد r كما في حديث ابن عباس الصحيح : (عرضت عليَّ الأمم ، فرأيت النبي ومعه الرهيط ، والنبي ومعه الرجل والرجلان ، والنبي وليس معه أحد ، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي ، فقيل لي : هذا موسى وقومه) الحديث. أمّا الذين خرجوا عن ملة موسى فقد وقعوا في الشرك كما قال سبحانه : ]وقالت اليهود عزير بن الله[ وقال فيهم : ]اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله[ ثم قال : ]وما أمروا إلاّ ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلاّ هو سبحانه عمّا يشركون[ وقال عنهم : ]وقالت اليهود يد الله مغلولة غلّت أيديهم ولعنوا بما قالوا[ إذاً فيهود اليوم لا علاقة لهم بالذين آمنوا بموسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ ومن كتب لهم الأرض المقدسة  وإنما هم امتداد لمن كفر بموسى والأنبياء من بعده ممن حرّف التـوراة ، وخرج عن دين التوحيد وشـريعة موسى عليه الصلاة والسـلام.

 

2ـ أغلب يهود اليوم ليسوا من بني إسرائيل ، بمعنى أن الذين يحتلون فلسطين اليوم ليسوا من نسل بني إسرائيل الذين كانوا مع موسى عليه الصلاة والسلام أو سلالتهم  حيث إن اليهود الذين يعتبرون من نسل بني إسرائيل وهم المعروفون بـ( السفاراديم ) لا يزيدون عن 20% من عدد اليهود في العالم ، مع ما داخل هذا العدد من امتزاج وتزاوج مع جنسيات وسلالات أخرى ، بمعنى أن هذه النسبة القليلة ليست نسبة خالصة من نسل بني إسرائيل ، أمّا النسبة الكبرى من يهود اليوم والبالغة 80% فليسوا من نسل اليهود الأصليين ، بل هم من أصول أوروبية وشرقية ومن مختلف بلدان العالم ، وهم المعروفون بـ (الاشكنازيم) حيث دخلوا اليهودية بالتحول من دياناتهم الوثنية وغيرها.  ومن خلال هذه الحقيقة التاريخية تسقط دعوى المحتلين لفلسطين بـ (الحق التاريخي) ويتضح أنهم محتلون لا عائدون ، وأن بلادهم وبلاد آباءهم هي تلك البلاد التي قدموا منها لا التي جاؤا إليها ، أمّا النسبة القليلة التي تعتبر من نسل بني إسرائيل فلا حق لهم في فلسطين من وجهين :

 

أولاً : أنهم خرجوا عن دين موسى الصحيح وحرّفوا التوراة ، وفلسطين أرض إسلامية لا حق لغير المسلمين فيها .

 

ثانياً : أن فلسطين لم تكن لبني إسرائيل وإنما كانت للجبارين ، وهم أهلها قبل بني إسرائيل ، وكتبها الله لبني إسرائيل وأذن لهم بدخولها عندما كانوا على المنهج الصحيح ، فلما انحرفوا ، سقط حقهم فيها.  ومن خلال ما سبق تسقط دعوى الحقّ التاريخي ، ويثبت بطلان هذه الدعوى جملة وتفصيلا.

 

3ـ أن صفات اليهود التي ذكرها الله في القرآن ، ممتدة عبر التاريخ يتوارثونها جيلاً بعد جيل ، وأمة بعد أمة ، وهي صفات الغدر والخيانة ، والجبن والبخل والدسائس والمؤامرات ، والعلو والاستكبار وغيرها من الصفات التي بينها الله سبحانه وتعالى في القرآن ، وقد تجلّت في اليهود الذين آذوا موسى – عليه الصلاة والسلام – وخرجوا عن شريعته ، وهي صفات جبليّة خلقية ترسخت مع مرور الزمن وابتعادهم عن المنهج الصحيح ، حتى أصبحت جزءاً من دينهم المحرّف وخصائصهم الثابتة ، يربّون عليها أبناءهم يشبّ عليها الصغير ، ويشيب عليها الكبير ، ويُعلّمُها من يدخل في هذا الدين من غيرهم ، ولم يسلم من تلك الصفات إلا القليل منهم وهم الذين آمنوا بموسى عليه الصلاة والسلام والتزموا بما جاء به ، قال سبحانه : ]منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون[ ولذلك نجد القرآن وهو يذكر صفات اليهود لا يعمم الحكم عليهم ، بل يفرّق بين المؤمنين وغيرهم ]وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون[ ]وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون[ ]قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منّا إلاّ أن آمنّا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون[ .  

إن فقه هذه الحقائق والتعامل معها جزء من استراتيجية التعامل مع اليهود والغفلة عن ذلك ستؤدي إلى خلل في التصور والاعتقاد والعمل ، مما يؤخر حسم المعركة ويطيل أمدها ؛ لأن ما بُنِيَ على خطأ فمآله إلى بوار .